« حكاية موش حلوّة بالكلّ » بقلم فتحي بن الحاج يحيى

نكتة سمجة بإقرار الذي يحكيها والذي يستمع إليها أو يقرأها، ولكنّها متداولة ولعلّ فيها ما يشير إلى بعض حقيقة، فلنحتفظ بالبعض ونرمي بما تبقّى إن تبقّى شيء.
تقول النّكتة : شابّ ما (بمعنى الفصحى أي في مقتبل العمر وليس بمعنى الدّارجة إذ ليس فيه من الشبوبية ما يستحقّ الذّكر) أصابته فتاة لا يعرفها في تلك البقعة من الوجدان التي لم تتوصّل البشرية بعد إلى حصرها وتعريفها أو السيطرة عليها. أحبّها وهام بها إلى حدّ الجنون وهي لا تدري أنّه موجود أصلا في هذي الدنيا. قضّى زمنا طويلا وهو يمنّي النّفس بالتقدّم إليها لربط الصلة لكنّه لم يجرأ حتى بلغه أنّهم سيتقدمون لخطبتها فأصبحت القضية بالنسبة له مدرجة في خانة المستعجل والأكيد الذي لا يحتمل انتظارا.
استشار أصدقاءه في الأمر وكانوا أتعس منه حالا لكنهم لم يبخلوا عليه بالنّصح وبما لا يحصى من الأفكار العبقرية والحيل الجهنمية للإيقاع بالطّريدة. صاحبنا انتقى من لائحة المقترحات ما يناسب جهده وشجاعته فقرّر، عملا بنصيحة أحدهم الذي أسرّ له بأنّ العملية برمّتها مرهونة في الكلمة الأولى ووقعها على نفس البنت إذ هي المفتاح والسرّ والمدخل على أن تكون حلوة المذاق، خفيفة الرّوح، زكية الرائحة، وطيبة المعنى، وكلّ ما سيأتي بعدها فطريق معبّد. المشكلة أنّ هذه الكلمة ليست مطلقة بل هي رهينة الموقف وتلقائية اللّحظة لذا وجب على صاحبنا تحيّن الفرصة المناسبة للنّطق بالكلمة المناسبة في اللّحظة المناسبة لكنّ الوقت لا يرحم. ظلّ يحاصر الفتاة عن بعد، دون أن تراه، فيتبعها خلسة أينما حلّت وهو يستعرض في ذهنه أحلى دخلة، ويرتّب في سرّه أجمل خرجة يخرج بها على الحبيبة عسى تنهار دفاعاتها ويفوز بها بقية حياته وهو يتصوّرها تحكي لصديقاتها « يا وخَّيْتي، راهو يُقتِل ».
انتصب واقفا منذ الصباح الباكر حتى رآها تخرج من بيتها وتسير نحو محطّة الحافلات، وهو ينظر إلى السماء علّها تجود مطرا لأنّه جهّز مطريته ليعرض عليها حمايتها من البلل في صورة ما إذا، كأن يقول لها « هيا تجي نتڤّيك » أو شيئا من هذا القبيل. لكنّ السماء يومها لم تُمطر، ولا كانت هناك صورة، ولا ما إذا، ولا هم يحزنون !
وقف جنبها وفكّر في إيقاف تاكسي ليعرض عليها اصطحابها إلى مقرّ عملها بما أنّ طريقهما واحدة. ظلّ يرقب أوّل سيارة أجرة تلوح في الأفق فإذا بحافلة النّقل العمومي تطلّ برأسها، على غير العادة، كأنّ في الأمر شماتة، وتأتي شبه فارغة، على غير العادة أيضا، فتصعد البنت غير مكترثة ببطل القصة ولا بكاتب القصّة. يصعد وراءها وهو يلعن في سرّه السّائق، وشركة النقل العمومي، والوزارة، والحكومة، والمجلس التأسيسي وأعضاده، والقدر، وشماتة القدر. فكّر أنّه المواطن التونسي الوحيد على مدى كامل تاريخ النّقل العمومي الذي أصابه غيظ من وصول حافلة في توقيتها أو لعلّ في الأمر خطأ إذ قد تكون حافلة السادسة صباحا جاءت متأخّرة بساعة فحلّت محلّ حافلة السابعة التي ستأتي حتما في الثامنة. طرد بسرعة هذه الحسابات من ذهنه وظلّ يترصّد مكانا شاغرا ليتنازل لها عنه فإذا بها جالسة كأبهى ما يكون الجلوس في حافلات الآس آن تي، أي مسك قفا المقعد الأمامي بعصبية تجنبا للانزلاق من الكرسي بفعل السير السريع فوق الحفر ووسط زحمة حركة المرور التي لا ترحم من كان به سهو.
وصلنا الآن جميعا بسلام، وحمدنا اللّه على سلامتها وسلامته وسلامة القرّاء، وكلّ المترجلين وسواق السيارات الذين نجوا هذا الصباح من بطش السائق الذي ظلّ طوال الطريق يسبّ ويلعن كلّ من عنّت له نفسه الخروج من بيته في هذا الصّباح الرّْباح ليسدّ في وجهه الطريق.
نزلت الفتاة وتوجّهت توّا إلى مقرّ عملها بالصيدلية المقابلة، وبقي الكازي وحده وأمامه متّسع من الوقت مطروح للقتل في انتظار أن تعود صاحبتنا إلى بيتها وتوفّر له الفرصة الأخيرة وهو يعيد في خاطره، للمرّة الألف، جميع الفرضيات والاحتمالات والسيناريوات:
– هل يدخل الصيدلية ويتظاهر بشراء دواء فينسج معها أواصر الحديث تمهيدا لأواصر البقية ؟
– سوف يقول لها : أختي نحبّ دواء باهي لوجيعة الرأس من يديك الملاح ؟
ابتسم للفكرة لكن سرعان ما اكفهرّ وجهه لمجرّد التفكير في أنّها قد تجيبه « آش بيني ريتني نحلّ في الحلوّ ». ثمّ قد تفكّر في أن هذا السيّد ظاهر فيه ممراض. فعاد أدراجه وجلس في المقهى القريب ينتظر ساعة الخروج لينفّذ دخلته.
دقّت الساعة، وحان وقت الفطور فأسدلت الصيدلية ستائرها وخرجت البنت ولكنّها لم تتجه صوب المحطّة بل دخلت المقهى. طلبت قهوة وبعض أشياء أخرى فطلب قهوة دون أشياء أخرى، وظلّ يرقبها وقد تراءى له خيال الخطيب المرتقب في سباق السعادة، فاستنهض عزيمته، واستجمع شجاعته وقرّر أن يسبقه. اندفع نحوها ولم ينتبه في الأثناء أنّها قامت من مكانها باتجاه ذلك البيت الذي اتفق العرب على تسميته ببيت الرّاحة لأسباب غاب أثرها في تاريخ اللّغة والكلمات. توقّف عند العتبة ينتظرها وقد حلف يمينا بالثلاث أنّها لن تنجو منه هذه المرّة، وبدأ دم الرّجولة يفور في عروقه. سمع صوتا خافتا يناديه من الأعماق « هاي، وكلمة السرّ ؟ »، ردّ عليه على نفس الموجة السرية « ها توّ تجي واحدها ».
هو الآن وجها لوجه مع البنت. سدّ عليها الطريق دون أن يشعر. نظرت إليه تستأذن المرور. نظر إليها يستأذن فيض العواطف ورقّة المشاعر أن تتشكّل في جَلْغَتِهِ كلمات رقيقة شفافة تخرّ لها الجبابرة، وتُسمِع من به صمم.
قال لها على نغمة اللّفظ التي يتطلّب نقطة تعجّب في فرض العربية لكونه صيغة تأكيد وليس سؤالا : « خْرِيتِي! « 

* * *

تداعي الخواطر هو ما نعبّر عنه بدارجتنا الحلوة « حاجة تِجْبِدْ حاجة » أو « كِلْمَة تجبد كلمة » بما يفيد أنّ للكلمات حياتها الخاصّة وأنّها قد تهرب عن إرادة النّاطق بها لتحمله إلى حيث لم يكن ينوي الذّهاب، فينجم عن ذلك استطراد، أو فتح مجال غير منتظر، أو هراء، أو بعض مآزق أحيانا، وهي في كلّ الأحوال نوع من تواصل الأفكار التي تنزل علينا حتى إن لم نسعى إليها إراديا.
ولا إراديا قفزت بي الخواطر إلى توصيات رئيس الحكومة علي العريض إلى وزرائه بأن يكفّوا عن الحديث في المنابر، ويصبروا على حاجتهم إلى الكلام في وسائل الإعلام علّهم يحتفظون بشيء من الطاقة لتصريفها فيما يفيد وزاراتهم مباشرة.
فالرجل يدرك تماما ما يقول بعد ما جرى له وللوزراء القدامى الجدد في التشكيلة السابقة. ويبدو أنّه أصاب في توقّعاته. لم أكن حاضرا يوم أعطى تعليماته لوزرائه ولا أستبعد أنّه كان يتحدّث وهو يخصّ بطرف عينه وزراء بعينهم أكثر من آخرين لمعرفته الدّقيقة بكفاءاتهم العالية في إنتاج كلمات من صنف السابقة الذّكر المرفقة بعلامة تعجّب مستحقّة، وبتعجيلهم الكارثة دون انتظار حلولها في الوقت المناسب رغم علمهم بأنّها آتية لا ريب فيها. وزيرة المرأة، ووزير الصحة، ووزير الشغل سابقا والتجارة حاليا، ووزير الشؤون الدينية كلّما همّوا بالكلام إلاّ وأبهرونا بقدراتهم على رفع سقف الـ…. (متروك للقارئ ملء الفراغ وإسعافي باللّفظ الذي لم أعثر عليه).
بحثت طويلا عن الطريقة المثلى التي يمكن بها للمعارضة أن تساعد الحكومة الجديدة في هذا الظرف الصّعب حتى تجنّب نفسها المشانق التي توعّد بها رئيس الدّولة الموقّر (الذي له حكاية أخرى مع نقاط التعجّب) فلم أهتد، في حدودي ملكاتي الفكرية المتواضعة، سوى إلى مدّها بهذه النكتة للترفيه عن نفسها ولو قليلا، وإرخاء الكبس المسلّط عليها، وتداولها في مجلسها، علّ أعضاءها يجدون من الأريحية ما يعفيهم من التفوّه بمثل ما نطق به عاشق الصيدلانية.

Show More
Close