السّود في “حي القهباية” بقابس: العنصريّة الممنهجة والمقاومة الصعبة

 بقلم مطاع أمين الواعر

تغييب السّود من الفضاء العام
يمثل تواصل النقص الكبير في معالجة قضايا السود التونسيّين كموضع بحث للعلوم الإنسانية والاجتماعية إلى غاية اليوم، نقطة استفهام كبرى، إذ اعتبرنا أنهم جزء من المجتمع ذو وزن ديموغرافي يصعب تجاهله وأن إمكانيات البحث الميداني في تونس قد تحررت بشكل كبير منذ 2011. ولعل هذا الوضع مشابه للمفارقة التي تحدث عنها هانك جونسون التي يكون فيها وجود شيء ما جليّا للعيان لدرجة تشبه وجود فيل داخل غرفة صغيرة دون أن يؤدي ذلك إلى الاهتمام به وإيلائه الأهمية اللازمة.
وإن استثنينا بحث عبد الحميد الأرقش اليتيم منذ سنة 2000 الذي يتناول وضعية السّود في الفترة التي سبقت الاستعمار الفرنسي، وأطروحة دكتورا جلال بحري سنة 1992 التي يتناول في جزء منها واقع السود في تونس ومقال ستيفاني بوسال حول الاقليات في الدول المغاربية وخصوصا بحوث إيناس مراد دالي، فإننا لن نحظى بدراسات أخرى تشفي الاحتياجات العلمية الجمّة لدراسات مماثلة.
ورغم قناعتنا بوجود أشكال متعددة من التمييز التي تطال السود في تونس، بتعدد أماكن عيشهم وأصولهم الاجتماعية وجنسهم وتحصيلهم العلمي وغيرها… فإننا خيّرنا في مرحلة أولى تسليط الضوء على حي ‘القهباية” من مدينة قابس بالجنوب التونسي، على اعتباره مخبرا فريدا ومكثّفا للثنائية التعايش/العنصرية التي تميّز أسلوب العيش المشترك لأهاليه من السّود والبيض. ويبرر اختيار “حي القهباية” حسب رأيي أولا بوجاهة تركيز النظر وتعميقه في مكان معين قصد رصد تنوعات تمظهراته وثانيا لسهولة رصد ممارسات مُمأسسة من قبل السلطات والمؤسسات (رسميّا أو بشكل عرفي) وبقية المتساكنين، في حي كبير تقطنه غالبية من السود. ويجدر التذكير في هذا الإطار بأن مناطق أخرى من الجنوب التونسي (قبلّي، القصبة في مدنين، جربة…) تعرف أيضا هذه الثنائية، يتعايش فيها السّود والبيض في نفس الوقت الذي تسلّط فيه على الأُوَلْ عنصرية تختلف حدّتها وتمظهرها لكنها تتشابه في ثبات وجودها. وسيتم في نصوص أخرى من هذا البحث تناول قبلّي كمنطقة أخرى من الجنوب التونسي، بالإضافة إلى العاصمة تونس كمركز سياسي واجتماعي محوري لفهم كل الظواهر الاجتماعية التي تعيشها البلاد.
إنني أجزم في هذا السياق بأن السود يعانون تَخْفِيَةً (invisibilisation) ممنهجة بوصفهم موضعا مفترضا للسياسات العمومية. فبالإضافة إلى تغييبهم (باستثناء التناول المناسباتي) عن وسائل الإعلام سواء كموضوع أو كفاعلين، فإنهم مغيّبون من كل التعريفات الرسمية. وإن كان يحدث أن يكون البعد الأول من التغييب موضوع امتعاض من السود ومن غيرهم في بعض الأحيان، فإن التغييب الرسمي عموما غير مرئي وهو ما يجعله أكثر فاعلية في إعادة انتاج التمييز ضدهم. ومن المعروف أن النضالات التي تخوضها فئات مضطهدة أو مستضعفة في مجتمع ما، كثيرا ما جعلت من المطالبة بالاعتراف الرسمي بوجودها أحد المحاور الأولى للصراع. وتغييب السود عن الإحصائيات الرسمية يجعل وجودهم “كأقلّية” تعاني العنصرية محلّ تشكيك من طرف الخطاب المهيمن. وكتواصل لهذا التغييب فإن دستور جانفي 2014 رغم كل المكاسب التي تضمنها للفئات والجهات المحرومة التي خصّها المؤسس بمبدأ التمييز الإيجابي، أبقى على تهميش السود بوصفهم إحدى فئات المجتمع التونسي التي تمارس عليها أفضع أشكال العنف وهي العنصرية، خارج نطاق اهتماماته.
أدوات البحث
سأحاول في هذه الورقة البحثية أن أسترشد ببراديغم بيار بورديو خصوصا مفهومه حول العنف الرمزي وتمظهرات استبطان الهيمنة الناجمة عنه لدى من يتعرضون لها مع محاولة تنسيب منحاه العمودي المفرط عبر اللجوء لباراديغم التفاعلية الرمزية وخصوصا ما يقوم به “مسلوبو الامكانيات” (les dépossédé-e-s) أو ألائك الذين يعتبرهم المشتغلون بالعلوم السياسيّة أصحاب “التحركات الغير محتملة” (les mobilisations improbables) لتغيير وضعهم الجماعي والفرد على حدّ السواء .
ورغم أننا قد حضينا خلال هذه الدراسة بقدر خاص من الحظوة في الولوج لميداننا البحثي بفضل وجود باحثة أصيلة الحي لازالت تحافظ على علاقات مميزة مع قاطنيه فإن حسن سير البحث لم يكن في مأمن من منزلقات ميدانية ومنهجية حاولنا قدر الامكان تجنبها وتقليص آثارها إن بقيت، على محصّلات البحث. ولعل أكبر المزالق التي تجاذبتنا خلال هذا البحث هي تلك التي تدفع الباحث عادة عند تناول فئات مهمّشة تفتقر إلى الموارد، خصوصا الرمزية التي تمكنها من صياغة خطاب شرعي مستقل يفرض نفسه على الباحث، فتجد هذا الأخير يبادر عند المقابلات معهم باستعمالهم فقط كوسيلة لتأكيد خطاب جاهز صيغ قَبليّا. وقد حاولنا تجنب هذا الخطر عبر ما أطلق عليه لويس بينتو “موضعة تجارب المهيمن عليهم” (objectivation de l’expérience des dominés) في نفس الوقت الذي نولي فيه أهمية لما يقومون به عمليّا كفاعلين اجتماعيين لمقاومة الهيمنة والعنصرية التي تسلّط عليهم.
ستعتمد هذه الورقة أساسا على 6 مقابلات يتراوح طولها بين 45 دقيقة و120 دقيقة أجريتها شخصيّا مع أشخاص من ذوي البشرة السمراء القاطنين في الحي أو ممن ترعرعوا داخله. تمت 4 من هذه المقابلات في منازل المبحوثين و2 في مقر عملهما وقد كانوا 5 ذكور وأنثى يتوزعون بين متقاعدين ومعطلين عن العمل وشخصين يشتغلان. جرت كل المقابلات التي تمت في المنازل بحضور عدد من أفراد عائلاتهم الذين كانوا غالبا زوجاتهم (3 مبحوثين في منازلهم)، أو أصدقائهم (مبحوث أخر في المنزل). أما المقابلتان اللتان تمتا في مقرات العمل فكانتا بصفة فردية (مع حضور المصور). وقد قبل كل المبحوثين أن يتم تصويرهم بعد أن بسطنا لهم أهداف الدراسة، باستثناء أحد المعطّلين عن العمل الذي رفض التصوير خوفا من انعكاسات ذلك على سير تتبعات عدلية يواجهها حاليا.
كما سأعتمد في هذه الورقة على “الملاحظة ” التي جمّعتها خلال الأيام ال3 التي دام خلالها البحث، بالإضافة إلى بعض المعطيات التاريخية والرسمية حول الحي على شحّها.
ومن الجدير بالذكر أن علاقة البحث قد تحولت في خضمه من حالة التردد في البداية، والتي يبررها احتراز بعض المستجوبين من عملية تسجيل أقوالهم أو شكهم في فائدة البحث أصلا، إلى علاقة ودّية بعد أن تم التعرف على فريق البحث وجرت كل المقابلات في أجواء جيدة دون أن يرفض أي مبحوث الرد على أحد الأسئلة المطروحة.

1- التمييز الممنهج في حياة السّود “بالقهباية”

حي القهباية: الهامشية الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية
يتموقع حي القهباية في الجانب الغربي من مدينة قابس ولم يكن له خلال خمسينات القرن الماضي وجود، إذ انتقلت أولى العائلات إليه في الستينات فشيّدت مساكن عشوائية. كانت مقبرة قابس وأراض جرداء شاسعة تفصل حينها هذا الحي الفوضوي عن بقية المدينة. وقد قطنه في البداية السود بشكل حصري، قبل أن يتوسّع تدريجيا ليشمل ساكنين بيض البشرة من المنتمين للطبقات الاجتماعية الدنيا التي بقيت بدورها على هامش طفرة الصناعات الاستخراجية التي دمّرت الاقتصاد المحلي بالمدينة وهيمنت تدريجيّا عليه منذ تلك الفترة.
تم في السنوات اللاحقة تهيئة الحي نسبيا ولكنه يبقى إلى غاية اليوم أحد أفقر الأحياء في قابس وأكثرها معاناة من نقص الخدمات الاجتماعية للدولة. وتتميز جل الأنهج التي تتوسطها حفر ومطبات كثيرة، بضيق شديد لا يمكن فيه أن تسير سيارتان في وقت واحد جنبا إلى جنب إلا بصعوبة كبيرة في أحسن الأحوال. وقد توسع الحي بشكل لافت مما جعله اليوم يصبح أحد أكبر أحياء قابس. ورغم افتقارنا لإحصائيات رسمية عن عدد السود ونسبتهم في الحي إلا أننا يمكن أن نجزم بأنهم يمثلون أكثر من نصف سكانه على أقل تقدير.
ينقسم العاملون من السود القاطنون في حي القهباية بين نوعين من المهن. الأول هم عمّال الشركات الكبرى والمؤسسات العمومية الموجودة في الجهة ممن يشغلون عموما في وظائف يدويّة متدنّية الأجر لا تتطلب تأهيلا دراسيا خصوصيا وهم عموما من الكهول. أما النوع الثاني الذي يشمل الشباب بصفة خاصة، فهم المشتغلون بما يطلق عليه “العمل اليومي”، أي تلك الأشغال التي لا يوجد أي إطار قانوني ينظمها ويعتبر لفظ يومي مفارقة في هذا الاسم إذ أن أهم ميزة لهذا العمل أنه غير منتظم بالمرة وقد تتخلله فترات عطالة طويلة. وهي وضعية هشاشة اجتماعية في كل الأحوال وبطالة مقنعة أحيانا.
ومن الملفت للانتباه أن أغلب من تحدثت معهم سواء في المقابلات المسجّلة أو في تلك غير الرسميّة ليس لهم في أقاربهم ومحيطهم الاجتماعي المباشر من يشتغلون في مناصب مهمة أو ممن سبق لهم تبوء مسؤوليات في مؤسسات خاصة أو عمومية. وهذا النوع من المحدودية في العلاقات الاجتماعية يجعل فكرة الارتقاء الاجتماعي تقارب الوهم لدى من حادثتهم والبقاء في وضعية الهامشية الاجتماعية حتميّا. هذا لا يعني أن السود في “القهباية” لا يشاطرون بقيّة التونسيين أملهم في الارتقاء الاجتماعي عبر التعليم الشيء، إذ تجدهم كغيرهم وربما أكثر، يسخّرون كل إمكانياتهم لتوفير أمثل الظروف الدراسيّة لبنيهم وبناتهم. لكن تجاربهم المريرة مع عنصرية وعدوانية محيطهم تجعلهم يائسين حيال إمكان تغيّر أحوالهم شخصيّا، وتدفعهم لتكريس كل مجهوداتهم في تعليم أبنائهم علّهم يتسلّحون بأكثر وسائل تسمح لهم بمقارعة آليات الإقصاء الاجتماعي التي واجهتهم.
وفي ظل غياب سياسات عمومية ممنهجة من قبل السلطات المحليّة (ولاية، مجلس جهوي، بلديّة…) أو المركزية (الإدارات الجهوية لمختلف الوزارات) والارتجال الذي اتسمت به سياسات التهيئة العمرانية التي حاولت إحداث إصلاحات لمواجهة واقع التهميش الذي تعاني منه “القهباية”، مثّل الحي لساكنيه من السّود فضاءً ينكفئون داخله إحساسا منهم بعدوانية المحيط الخارجي مما يزيد في إنغلاق أفق أمامهم عن إمكانية تغيير حالهم، كما يقوي في احساس الوصم “stigmatisation” الذي يعانيه السكّان من قبل بقية القاطنين بمدينة قابس وضواحيها.
لن يصح هنا أن نستجلب الجدل الفكري حول التقوقع “la ghettoïsation” بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية ، فوجود سياسات عمومية سابقة لإنشاء هذه الأحياء المتقوقعة بهاذين البلدين يختلف عن الأسلوب العشوائي الذي شُيد به “حي القهباية” والذي تدخلت الدولة فيه بشكل لاحق وفق نمط عمراني يتميّز بسبق الفعل الأهلي وبتخلّف تدخّل الدولة عنه بغرض تأطيره و”إدماجه” بشكل تعسفي وفوقي في الخارطة الحضرية. لكن لنا رغم ذلك أن نجزم بأن النقص في تدخّل الدولة لتعديل الوضع داخل الحي عبر توفير المرافق الأساسية والإدارية وتوفير شروط فك العزلة عنه يعتبر في حد ذاته نوعا من السياسات العمومية تجاه هذا الحي.

العنصريّة المُمَأْسَسَةُ والإقصاء الهيكلي
لعلّ أحد العوامل التي تجعل وضع السّود بحي القهباية أكثر قتامةً في تمثّلاتِ من تحدثت معهم هي تكوّن إحساس مشترك لديهم بأن العنصرية ليست شأنا شاذا وممارسة تأتيها عناصر “متخلّفة”، “قليلة الوعي” كما يحلو للخطاب الرسمي والسائد ترويجه. فالأمر يبلغ حدّ الممارسة الرسمية الثابتة في الزمن التي تحوّلت إلى خطاب مُؤَسًّسٍ تنتج عنه تصورات قبلية محقّرة من شأن السّود وتشرّع للكل أشكال إقصاءهم.
قد يبدو هذا الاستنتاج صادما لتونسيين بعيدين في مشاغلهم اليومية عن واقع حي القهباية، وقد يحسّه البعض مبالغا فيه. لن أطيل في تفاصيل هذه العنصرية الرسمية لأنها شأن يحتاج بالإضافة إلى المعاينة والمقابلات، معطيات إحصائية ووثائق رسمية لم أتمكن منها إلى الأن. لكن ما بحوزتي لحدود اللحظة كاف على كل حال لتأكيد وجاهة فرضية كهذه وجعلها أقرب إلى الواقع. سأكتفي في هذا السياق – في انتظار العودة لدراسة هذا المبحث بأكثر تعمّق- بسرد بعض الأمثلة، مُؤَطِّرًا إيّاها بسياقها العام ومسلّطا الضوء خصوصا على تمثّلات السّود القاطنين في الحي تجاهها.
أجمع من تحدثت معهم على أن “السّود مقصيين من وسائل الإعلام… ما جيبوهمش يحكو. قلي قداش من واحد أسمر شفتا في التلفزة؟ وقلي وقتاش يحكو على مشاكلنا وعلى عيشتنا؟ كايننا ماناش موجودين. ماناش محسوبين” . لكنّي سأكتفي بالواقع المحلّي المعيش للسّود في “حي القهباية” وقابس بشكل أعمّ.
يمكن اعتبار التعليم أحد أهم المؤسسات الاجتماعية التي تمكّن (أو تعد على الأقل بذلك) من الارتقاء الاجتماعي ، ولطالما حضي التعليم بثقة كبرى عند التونسيين والتونسيّات مما دفعهم لبذل كل ما في وسعهم لتوفير أحسن تعليم ممكن لأطفالهم وجعلهم ينظرون للجامعة كفضاء لخلق الكوادر الذين تحتاجهم تونس . ورغم المجهود الذي تبذله العائلات لدى السّود في القهباية، فإن أطفالهم يعيشون تمييز متعدد الأبعاد داخل المدارس، مما يؤثر سلبا على تحصيلهم العلمي وقدرتهم على النجاح وبلوغ مستويات دراسية عالية. فبالإضافة إلى الصعوبات المادية لعائلاتهم التي لا تمكنهم من توفير كل احتياجاتهم أحيانا وتجبر البعض منهم على ترك مقاعد الدراسة في أحيان أخرى نظرا لعجز العائلة عن تحمّل النفقات، فإن ضعف الرصيد المعرفي المراكم (رأس المال المدرسي) لدى عائلاتهم مقارنة بغيرهم يجعلهم يحضون بتأطير وتكوين أقل خارج إطار الدرس. ويشترك السّود في هذين العاملين مع بقية المنتمين للطبقات الدنيا من المجتمع وهو ما يساهم في إعادة إنتاج هامشيتهم رغم مجهوداتهم المبذولة في التعليم. لا ينفي ذلك طبعا إمكانية وجود الاستثناءات لكنها لا تتجاوز كونها استثناءات وهو ما يدفعنا لعدم إعطائها أكثر من قيمتها.
أمّا ما يميّزهم عن غيرهم فهو العنصريّة التي يتعرضون لها من طرف أترابهم ومن قبل الإطار التربوي أيضا. وقد عاش كل من تحدّثت معهم عن تجارب عاشوها بمرارة في المدرسة الابتدائية وبعدها (لمن بلغ هذه الدرجة). “…في المكتب مثلا، المعلمين، ديما ما يخلوش واحد أسمر يقعد لقدّام. ديما يحطو البيض لقدام ويرجعو السمر لتالي في أخر القسم. ما نعرفش علاش أما هكاكة ما كانوش يحبونا نقعدو لقدام…” .
ورغم غياب معطيات كمّية عن واقع التعليم لدى السّود التونسيين عموما وفي القهباية خصوصا، فإن الدراسة التي أنجزها جلال بحري حول حول قرية “مدو” القريبة من قابس ذات الغالبية السوداء، يمكن أن تمدنا بمعطيات تقريبية. يؤكد الكاتب أن نسبة التمدرس داخل القرية مفزعة وأقل بكثير من المستوى الوطني ومن المستوى الموجود في قرى الجنوب نفسها، وكما أن نسبة السّود (بشكل عام) الذين بلغوا التعليم الثانوي لم تتجاوز حسب رأيه الـ25 %. يدفعنا هذا المعطى إلى الدفع بفرضية جديدة وهي نقص الاعتمادات الرسمية التي تخصص للمدارس التي تكون غالبية تلاميذها من السّود، وبما أن تخصيص الميزانيات شأن مشترك بين المجلس الجهوي (بالولاية) والإدارة الجهوية للتعليم بالولاية (قابس في هذه الحالة) فإنه يمكن الدفع بهذه الفرضية نحو الجزم بوجود سياسة ممنهجة لحرمان الأطفال السّود من ظروف تعليم مماثلة لتلك التي تتوفر لبقية أترابهم. وبما أن المعطيات تعوزني الأن للحسم في هذه الفرضية فإني أعتقد أته سيكون من الهام أن تنجز مستقبلا بحوث علمية حول إمكانية وجود سياسة تعليمية للدولة تتميز بالعنصرية تجاه السّود.
وتساهم هذه الصعوبات في إقصاء السود من التعليم عبر تعزيز شعورهم بعدوانية الفضاء الخارجي وتشجيهم على العودة للاحتماء بفضاءات أكثر أمانا كالحي. شعور تعززه الهشاشة السيكولوجية التي تميّز الأطفال عموما والتي تصعّب عليهم مواجهة هذه السلوكيات العدوانية. ورغم غياب إحصائيات عن نسب الانقطاع عن التعليم بين السّود داخل “حي القهباية” فإن الحوارات التي أجريتها صحبة بقية فريق البحث والملاحظة خلال الأيام الثلاثة داخل الحي تدفعني للجزم بوجود نسب انقطاع مفزعة داخل السّود حتّى مقارنة بجيرانهم البيض القاطنين لنفس الحي. لكن هذا الاستنتاج الأولي يحتاج حتما للتأكيد عبر دراسة كمّية دقيقة.
يشتكي المبحوثون من إقصاء ممنهج للسّود من الانتدابات العمومية التي تحصل في الجهة ويبيّن ذلك العدد الضئيل جدا للموظفين السود. وإن كان تدنّي المستوى الدراسي عائقا أمام عدد من شباب وشابات الحي يسهّل إقصائهم من الانتدابات العمومية فإن إقصاءهم حتى من آليات الانتدابات الهشّة (آلية 16، آلية 21، الحضائر…) والتي يتميّز الانتداب فيها بالمراوحة بين الجانب الاجتماعي وبين المحسوبية والزبونية يحدث لدى مُحَدِّثيَّ إحساسا بالإقصاء والتهميش المقصود المبني على اعتبارات عنصرية، رغم أنهم من بين أكثر الفئات الاجتماعية المعنية بهذه الآليات. “كيف يجيو باش يخدّمو ناس في (شركات) البيئة ولا في أي حاجة أخرى ويعيطو للناس إلي ما في حالهاش باش تخدم، مستحيل يجو لعيلة متاع سمرّ ويقولو لواحد أسمر تحب تخدم، ولاخر جارك تلقاه كيفك، يجوه يعيطولا وحدهم… مثلا كيف الواحد عندا permis متاع سواقة وهو بطّال ووضعيتا الاجتماعية صعيبة ماهو يعطوه رخصة تاكسي المفروض خلي يخلوه يدخل مصروف. البيض إي يعطوهم، أما السمر لا، مستحيل. ما تلقا حتى واحد أسمر عندا رخصة متاع تاكسي، بالرغم إلي نصبّو مطالب كيفنا كيفهم” .
يعني هذا أن آليات الانتداب الهشّة وبما أنها تعتمد في جزء كبير منها على العلاقات الشخصيّة التي تربط المستفيدين منها بأصحاب القرار في إسنادها تعيد إنتاج إقصاء السّود القاطنين في الحي الذين يفتقدون لعلاقات اجتماعية متقدمة (رأس مال اجتماعي) مع أشخاص متنفّذين في القرارات ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي. كما يبيّن لنا بأن الاقصاء على أساس لون البشرة أكثر نجاعة حتّى من الآليات الزبونية للتشغيل إذ أن السّود لم يتمكنوا من الحصول على هذه الوظائف حتّى باستعمال أساليب غير قانونية. يقول عماد في هذا السّياق، “مشيت للوالي باش ناخذ الاعانة وأنا عندي الحق فيها أول واحد، معرّس وعندي زوز صغار ومرتي ما تخدمش وأمي معايا وبطّال بالرغم إلي عندي صنعة ونحكي 3 لغات ألمانية وفرنساوية وإنجليزية، حكيت معاه وفسّرلتلا الوضعية وخرجت من عندا وقالي تاو نكلموك. دخللا بعدي واحد أبيض ما عنداش شطر إلي عندي، خذا الإعانة وأنا ما خذيتهاش وتو هاوانا مترسم ويخدم على روحا” . ويقول متحدث أخر “عمركشي ريت أسمر في بلاصة… مستحيل… تي كان تكرمو عليه يحطوه شاوش. تي ماهو هذا إلي ثمة”
كما تعرّض أحد ممن تحدّثت معهم عن الهرسلة التي تعرّض لها في وظائف عديدة شغلها في القطاع الخاص والتي بلغت أحيانا حدّ الاعتداء اللفظي والعنف المادّي المشفوعة بألفاظ عنصرية لحثّه على ترك عمله لأشخاص “بيض” البشرة. وقد لخّص لي خطاب المعتدين عليه بـ “غاظتهم كيفاش أنا أسمر ونخدم وهمّا عندهم قرايبهم وناس يعرفوهم بيض وما يخدموش…ومباعد قالك هذا خدم هو آمس وليوم هاو جابلنا “وصيف” أخر يخدم معاه، ولو خايفين لا نفكولهم بلايصهم…” . حيث نجد في هذه الحالة تحفيز روابط قبلية وروابط دم وقرابة لاقصاء السّود مبنيّة على يقين بأن السّود مواطنون من درجة ثانية لا يمكن لهم المطالبة بالشغل إلا حينما لا يبقى عاطلون بين الأشخاص ذوي البشرة الأقلّ سمرة، ممن يعتبرون أنفسهم بيضا.
بالإضافة إلى التعليم والتشغيل، فإن السّود بحي القهباية عرضة لشكل أخر من التمييز وهو التتبعات والهرسلة الأمنية. إذ يرى أحد المبحوثين من ذوي السوابق العدلية أن التتبعات ليست شفافة من ناحية الإنتماء العرقي. إذ أنه قد تم تتبعه سابقا في جنحة دون شخص أخر كان رفقته تم التغاضي عنه لأنه كان “أبيض” البشرة. “البوليس كيف ما عندا ما يعمل يوقف أسمر. يعدّي الوقت. شكون بيتكلم عليه الأسمر هذاكة؟ حد ! مناش بيخاف. حنا عاملينا هكاكة، كل ما ثمة حاجة يوفقونا وبالشماتة زادة.” كما أنه يتفق مع مبحوث أخر في أن قوات الأمن تتعامل معهم بكثير من التمييز وتستسهل إيقافهم وتسيء معاملتهم مقارنة ببقية أهالي قابس وهو ما يزيد في تكريس الصورة النمطيّة المنتشرة عنهم حسب رأي المبحوثين. ” تصور مرّة قاعد في بار نشرب. هكاكة ودخلو بوليسية، سيبو الناس لكل ووقفوني أنا. قال شنية شبيك تشرب. ومباعد عدوهالي للمحكمة حالة سكر واضح. وموش كان أنا، ديما تصير الحكاية…دخلت للقاضية في القضيّة هاذي. تشوف عندها في الملف متاعي، شافتا، ولقات مقيّد فيه العركة الأولى والثانية والثالثة. تلفّتت وقالتلي : إنت هاك مجرم ! وعطاتني شهر حبس على سكر وتشويش، وأنا شدوني في بار. ما فمتش، أناهو التشويش وأنا قاعد في البار؟ كيفاش تشويف وما فما حد شاكي بيا ولا تقلق منّي؟ ما فهمتش… ”
ويتميّز السّود من سكان القهباية حسب رأيهم بنسب مرتفعة من الإيقافات والجنح نظرا لوجود سياسة أمنية تستهدفهم مجانيّا للرفع وهميا في رصيد إنجازاتها الأمنية كلما وجدت الحاجة لذلك، “حنا بالنسبة ليهم لكلنا مجرّمة” . وهي تصريحات تحتاج على أهميتها، للتدقيق عبر معاينات أكثر منهجية وعلى مدة أكثر طولا.
كما أن المعاملات الإدارية لا تخلو على حسب محدثيَّ من عنصرية. إذ أنهم يواجهون حسب أقوالهم أكثر صعوبات في قضاء احتياجاتهم الإدارية. كما أن الإدارة التونسية التي يتم قضاء حاجيات كثيرة فيها عبر وساطات وعبر تدخلات لأقارب تحرم السّود من هذا وتطبق عليهم المتطلبات الإدارية بصرامة. ويحسّ المتحدثون بالظلم جرّاء هذا التعامل التمييزي والذي يعزونه لغياب سُمر في الإدارات وفي المواقع القيادية. “أنا كيف يجوني وأنا موش مخلص الضو يقصو عليا مالنهار الأول. جيراني البيض لكل يجو ينبهو عليهم ويعطوهم نهار ولا نهارين باش يخلصو. ماني نا ما نعرفهمش جماعة الsteg وكيف يجو لدار السّمر يقلك ما عندا ما يعمل حتى كان تقصّلا الضو…ما يقرالكش حسابك خاطر ما عندك حد” .

العنف الرمزي وتتفيه (banalisation) العنصريّة
يتداول المبحوثون اللذين لاقيتهم حدثين على غاية من الرمزية في آثارهم المدمّرة على إحساس السود القاطنين في “حي القهباية” بالظلم والغبن الذي يعيشونه. يتمثّل الأول في المضايقات التي تعرض لها سود انتموا لإطار التدريس في المدرسة الابتدائية التي تتوسط الحي، والذي بلغ مداه عند تعيين مدير أسمر البشرة في المدرسة. حينئذ تجاوز عدد من قاطني الحي من البيض حدّ المضايقات ليطالبوا باقالة المدير وتعويضه بشخص أبيض البشرة ، مما سبب شرخا معنويا بين الطرفين القاطنين في الحي. ومثّل هذا الحدث عند السّود القاطنين بالقهباية، بعنفه الرمزي المباشر على أحد المنتمين لهم جرحا كبيرا، لدرجة أن بعضا ممن تحدثت معهم قد أخبروني بالقصة طواعية ودون أن أسألهم عن ذلك. أما الشعور الذي بقي من هذا الحدث الأليم هو أنه، “إن لم يكن لجيران الحي قدرة على قبول بنا رغم القرابة الجغرافية فإنه من الصعب أن يقبل بنا بقيّة ذوي البشرة “البيضاء” “.
أمّا الثاني فهو أكثر بعدا عن الحي. حصل في مكتب التشغيل في قابس، أين تم تعيين شخص أسمر البشرة من أصيلي مدينة قبلّي. يروي لي إثنان من المبحوثين المضايقات التي تعرّض لها هذا الشخص في عمله، والتي تتمثل خصوصا في عدم احترام موقعه والتعامل مع أشخاص من ذوي البشرة “البيضاء” على رتبة وظيفية أدنى منه بأكثر احتراما. يروي محدّثاي كيف أن هذا الشخص لم يرفض لأصوله الجهوية ولا لشيء غير لون بشرته. ولخّصان في هذا السياق انطباعهما عما حصل له، بأن الأسود في قابس ليس مقبولا إلا بوصفها أدنى هرميا من “البيض” وأنه من غير المقبول أن يكون أحد ذوي البشرة “البيضاء” مرؤوسا من قبل شخص أسمر البشرة.
كما أن الصعوبات الكبيرة التي تلاقيها كل محاولة “زواج مختلط” (أي بين شخصين بلون بشرة مختلف اجتماعيا) تعتبر شكلا أخر من أشكال الصد والرفض الجماعي التي يشعر بها السّود. إذ عند سؤالي أحد المبحوثين عن إمكانية العلاقة بين رجل أسود البشرة وامرأة بيضاء ردّ بإقتضاب “يحبو بعضهم إي، أما يعرّسو لا ” وأضاف أخر “يبدى مثلا صاحبك أبيض وكيف الخوات ونحبو بعضنا وبيناتنا الماء والملح، لكن كيف يجي الصحيح يتبدل ويبان الشي الـ… (كيفاش مثلا؟) تمشي تقولّا مثلا أعطيني أختك في الحلال، تعجبني وكذا، طفلة باهية… وهي عانها فيا زادة… يقلك لا…” . وهو الشيء الذي يدعو عددا من السود لتبني سلوك دفاعي منغلق سيتبنون خلاله خيار رفض الزواج “المختلط” كعملية “قلب للوصم” (retournement de stigmate) يتحول خلالها الرفض من البيض إلى السّود. وهو ما أكدته إحدى المتحدثات ردا على سؤالي حول إمكانية وجود علاقات عاطفية مع أشخاص بيض البشرة، فردّت “لا ما صارتش وميش باش تصير. حبو يعرسو بيا بيض قبل وأنا نرفض…مانحبش…علاش باش نقعد نتعلق بواحد ومباعد تصير المشاكل؟ لا أنا ما نحبش…” .
واللافت للانتباه أن الرغبة في “الزواج المختلط” يعبّر عنها عموما من طرف الرجال الذين يتمتعون كما هو معلوم بحرّية أكبر لاختيار أزواجهم. لا يعني هذا طبعا أن اللفتيات من “الناحيتين” لا يبدين رغبة في “الزواج المختلط” بل يشي بديمومة الهيمنة الذكورية التي تضاعف حدّة الفصل العنصري لتجعل النساء بشكل واضح موضوع تبادل في الاستراتيجيات الزّواجيّة (matrimoniales) المتبادلة. “البيض هما إلي عندهم المشكل. حنا ما عندناش مشكل باش نعرسو ببعضنا. أما كيف هما ما يعطوش نساهم للسّود حنا ما نعطوهمش نسانا زادة…” .
وقد كان من بين المبحوثين أحد القلائل الذين يحتلون اليوم موقع مسؤولية في مؤسسة إعلامية جهوية، زاول تعليمه في قابس ثمة أنهى دراسته بتفوق في معهد الصحافة وعلوم الأخبار وهو ابن تاجر موظف شركة عمومية وطنية بقابس بلغ في تعليمه الباكالوريا. ورغم أنه حرص على التأكيد بأن الفرص موجودة لمن يسعى ولم يكدّ ويعمل كحاله، وهو خطاب كلاسيكي لدى المنتمين للطبقات الوسطى الصاعدة والمؤمنة بـ”الاستحقاقية” (la méritocratie). إلا أننا وعند مواصلة الحديث عن مسيرته المهنية، حدثني عن قراره سابقا عدم التوجه للتلفزيون، رغم رغبة راودته لمدة لذلك، وعند سؤاله عن سبب ذلك أجابني بكل استغراب وبكل سرعة “ما نجمش !”. وعند إصراري على الاستفسار عن ذلك بدا عليه الارتباك والتأثر، وأخبرني أنه خيّر في مطلع السنة الثالثة بمعهد الصحافة أن يتجه نحو الصحافة المسموعة رغم ولعه بالتلفاز لأنه كان مقتنعا أن أحدا لن يقبل بمنشّط أسمر البشرة وهو ما دفعه لتجنّب الشعور بالإهانة الذي قد ينجرّ عن ذلك. “أنا كنت نحب التلفزة وحتى كيف كنّا نعملو تمارين وتجارب في معهد الصحافة كنت متميز وأعدادي تخليني نختار إلي نحب بما فيها التلفزة. (مالا علاش ما عملتش تلفزة؟) الحق خممت فيها قلت أنا صوتي باهي والإذاعة انجم نقا روحي مليح وزيد في التلفزة ما صارتش قبل مقدم أسمر وعرفت روحي باش نتعرض لتضييقات كبيرة وباش نتعب. وليت بطّلت مالأول وربحت راحتي. وهاني ليوم نخدم لاباس عليّا” .
ويبين هذا الحاجز الأخير نجاعة العنف الرمزي الذي يسلّط على السّود منذ سنواتهم الأولى والذي يدفعهم لاستبطان “حدودهم” الممكنة اجتماعيا وتجعلهم يقنعون بعدم المجازفة بتحدي هذه الحدود.
وإن كان للانقطاع عن التعليم أثر على الارتقاء الاجتماعي عند ضحاياه، فإنه لا يفسّر غيابه أو نقصه عند من نجحوا من السّود أصيلي الحي – على قلّتهم- في تحصيل قدر هام من التعليم يبلغ الشهادات الجامعيّة. إن غياب السود عن أي موقع قرار أو منصب ذي وجاهة اجتماعية حتى على المستوى المحلي في قابس، هو معيار موضوعي هام عن وجود حواجز تبقيهم سجناء وضعية الهامشية الاجتماعية فرديّا وجماعيّا. إذ أن من تحدّثنا معهم يؤكدون أن ألائك الذين نجحوا في تحصيل بعض الوظائف بفضل مؤهلاتهم الشخصية والعلمية لم يحصلوا رغم ذلك على مواقع تتوافق مع مؤهلاتهم. وهو وضع يشبه ما أطلق عليها الباحثون في علم اجتماع النوع الاجتماعي، “السقف الزجاجي” (le plafond de verre) ، وهو حاجز يمنع السود من الارتقاء في سلّم المسؤوليات دون أن يتمكن أحد من رؤيته، فهو عائق شفّاف لا تُرى إلا نتائجه.

2- “المقاومة اليومية” رغم غياب شروطها

حدّة الوعي بتعدد أشكال العنصرية
لا يخفى على من تحدثت معهم خلال هذا البحث أنهم يواجهون أشكال متعددة من التمييز وسلوكيات عنصريّة متنوعة. وقد فاجئني خلال حواراتنا حدّة الوعي الذي يمتلكه بعضهم بأكثر أشكال الهيمنة والعنف رمزية وتنديدهم بها. لكن هذا الوعي بقي عموما في المستوى الحسّي والعفوي نسبيّا (رغم القدر الهام من التساؤلات التي يحتويها) ولم يتجاوزه ليتحول إلى نقد بنيوي للعنصريّة كمنظومة اجتماعية متكاملة تساهم في إعادة إنتاج التمييز ضد السّود القاطنين في القهباية وغيرهم.
يرفض أهالي الحيّ من السّود مثلا التطبيع مع ألفاظ تحقّر من شأنهم والتي دخلت في الاستعمال اليومي في عدد من مناطق الجمهورية. ومن الألفاظ التي تلاقي رفضهم الحاد مثلا تلك الأكثر عنفا ومباشراتيّة كلفظ “عبد” و”عبيد” الذين يعنيان معنييهما حرفيا، ولفظ “صمباك” والذي يقاربهما في المعنى والاستعمال وهذه الألفاض ال3 مثلا، تستعمل في سياقات تهدف عن طواعية وبشكل علني إلى التحقير من شأن الأسود الذي توجّه له وإهانته. هذه الألفاظ ورغم أنها مازالت قيد التداول في عدد من مناطق الجمهورية ومنها قابس، فإن شحنتها العنصرية المباشرة تجعلها عرضة للصد والردع كلما توفرت الفرصة لذلك. وروى لي مثلا أحد شباب الحي تجاربه في الرد بشكل عنيف على من ينعتونه بهذه الأوصاف لردعهم وهو ما أتى أكله نسبيّا حسب رأيه، “حتى حد ما يتجرّأ يقولها قدامي أنا، يخافو خاطر يعرفو رواحهم ياكلوها طول… أما أكيد يقولوهم لليوم لسمر أخرين باش يتمسخرو عليهم…” .
لكن ألفاظا أخرى تحتوي شحنة عنصرية تستعمل والتي تكون مواجهتها عموما أصعب. ومن هذه الألفاظ “وصيف” الرائج في كل مناطق الجمهورية دون استثناء والذي يصم السّود بوظيفة اجتماعية وهي الخادم. ورغم أن هذا اللفظ ليس عنصريّا في ذاته إلا أنه عنصري في الدور الذي يؤديه وفي الربط بين لون البشرة وبين مهنة معيّنة.
وتختلف أشكال الرفض لهذه الألفاظ من شخص إلى أخر. ففي حين نجد ألائك الذين توقفوا عن التعليم في سنواتهم الأولى يلجئون إلى الدفاع عن أنفسهم عبر عرض القوة الجسدية والتهديد بها كوسيلة ردع، “إي في الأول قالو قدامي يا وصيف. (ليك إنت ولا لشخص أخر؟) في الأول ليا أنا أما كيف نبهت عليهم ولو ماعاش يقولوها، ياخو مني. بعتالي وليت كتى كيف نسمعها يقولوها لواحد أخر نتغشش وانّبّه عليهم، لين ولو ماعاش يقولوها قدامي جملة وحدة. هذاكة أش ينفع فيهم. أما كان يحسوك ساكت ولا خايف يعفسو عليك…” ، يحبذ ألائك الذين قد أنهم دراستهم الجامعية تجنّب المواجهة واستعمال الاقناع والحجة درءا لأنفسهم من الألفاظ العنصرية، “ثمّة إلي نعرفهم مالأول ما يحبونيش خاطر أسمر، هاكم ما نحكي شمعاهم من أصلا، ظاهرين… البقية صحابي وكيف الخوات وديما نلعبوا مع بعضنا…كيف تصير حاجة نحكي معاهم ونقوللهم ويقولولي رانا ما قصدناش حاجة خايبة” .
ويواجه السّود هذا اللفظ بصرامة حسب ما أكدته شهاداتهم، إلا أن الصعوبة التي يواجهونها في هذه الحالة هي الاستغراب وأحيانا الاستنكار من طرف بقية الحضور منكرين عليهم حقّهم في التنديد بالعنف المعنوي الذي طالهم لأن “وصيف” حسب رأيهم ليست مهينة ولا تحتوي أي شحنة عنصرية. لم يتخلّى من حادثوني رغم هذا عن تصدّيهم لهذا الوصم، إلا أنه أضاف لهم ألما جديدا يضاف إلى الوصم وهو وصفهم بالحساسية المفرطة التي تقارب الاضطرابات النفسية. “يقولولي شبيك متغشش ياخي مافيها شي راهي؟ كلمة عادية راهي، موش كل شي باش تردا عنصرية… باش تولي معقد هكة…” .
لم يكن الإقرار بالتعرض للعنصرية في بداية الحوارات هيّنا، إذ أن المبحوثين قد خيّروا في البداية التقليص من أهمية العنصرية التي تعرضوا لها وهي استراتيجية مفهومة إن وضعنا المقابلة البحثية في إطارها الموضوعي. حيث أنه ليس من السهل على شخص تعرّض لاعتداء عنصري أن يعترف بذلك أمام شخص مجهول نسبيّا وخصوصا ذي بشرة “بيضاء”، فالشعور بالإهانة يغلب في هذه الحالة والمبحوث يسعى حينها للحفاظ على كرامته (ne pas perdre la face). لكن كلّما تقدّم الحوار وبدأت الثقة تنمو بيننا وأحسّ المبحوث أني أتفهّم مشاعره وصعوبة استذكار اعتداءات على هذا الحد من الإيلام، إلا وقام بسرد مختلف أشكال العنصرية التي تعرّض لها.
ومن الملفت للانتباه أن هؤلاء المبحوثين قد رصدوا بأنفسهم العنصرية والتمييز في الاعتداءات ذات الطابع الرمزي والاقتصادي والجسدي وغيرها، بالإضافة إلى العنف المؤسساتي والرسمي، وهم يرون الطابع المنهجي والعام للعنصرية التي تواجههم، حيث أن “الأسمر يعمل، يدير و… بلي تعمل إنت وعمل بوك ولا عملت أمك ما يشوفوكش وما يحسبوكش موجود. ما يشوفو كان ولدهم هما. ولدهم إلي مازال ما تولدش يهبط يلقا بلاصتا، وإنت والله كي تموت…” .

استذكار الملاحم وخطاب وأشكال المقاومة اليومية
يمثّل استذكار الملاحم أهم أشكال “المقاومة اليومية” على حد تعبير عاصف بيات . ويروي أهالي الحي فيما بينهم ومن جيل لجيل روايات عن “أبطال” سود قاوموا بشكل فردي أو جماعي “طغيان البيض وعنصريتهم”.
ومن بين “الأبطال” اللذين تُتَداول سِيَرُهُمْ في “حي القهباية”، نجد سليم مرزوق أو “الجنرال سليم” كما يحلو للسّود الذين عرفوه مناداته. ورغم غياب هذا الأخير عن كتب التاريخ الحديث لتونس فإن أهالي القهباية يتناقلون قصّته جيلا بعد جيل حفاظا على ما يعتبرونه تاريخهم المشترك. ورغم تحفّظي على الطابع الملحمي للرّواية الذي يقارب الميثولوجيا فإني سأكتفي بنقلها على حالها في انتظار توفّر دراسة تاريخية دقيقة تأكد لنا حصل حقّا. أنهى سليم مرزوق دراسته العليا في الطيران بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في أواسط الستينات، حين عاد ليستقرّ في تونس. وقد توجه بعد ذلك لزيارة الحبيب بورقيبة أين أطلعه على رغبته في تحمّل مسؤولية ديبلوماسية كسفير، لكنّه صُدِمَ من ردّ بورقيبة العنصري حين أجابه “حسنا لقد أتممت دراستك الجامعية، سأرسل بك كسفير لأحد دول إفريقيا جنوب الصحراء حتّى تكون بين ذويك” . تصبح هذه الرواية محلّ ثقة أكبر إن عرفنا أن الاستثناءات القليلة التي حصلت على عملية إقصاء السّود عن المهام السياسية في دولة الاستقلال تمثلت بالتحديد في تعيين بشير قبلاوي في مناصب دبلوماسية ذات علاقة بدول إفريقيا جنوب الصحراء .
ترك مرزوق العاصمة وعاد لمدينته الأم، قابس خصوصا قرية “مدو” ذات الغالبية السوداء، أين قام خلال سنتي 1962 و1963 بمحاولة لتنظيم السود هناك عبر تنظيمهم في حزب سياسي وهو ما كلّفه إيقافات متعددة انتهت سنة 1968 بإيداعه بمستشفى الأمراض العقلية بمنوبة أين بقي لمدة 33 سنة قبل أن يخرج وهو على مشارف الموت سنة 2001 ليموت بعدها بشهر في أوت من نفس السنة بمنزل شقيقته بقابس.
لم يحسب سليم مرزق حسابا حينها لأن تونس حُكمت خلال الستينات بحكم من النمط الاستبدادي خلال وخصوصا مع منع الأحزاب السياسية وجرائد المعارضة وكل التعبيرات السياسية المناوئة للنظام البورقيبي انطلاقا من جانفي 1963، وهو ما جعله مبادرته تتسم بضرب من التهور. فتأسيس حزب معارض لبورقيبة في مناخ يصفه ميشال كامو وفانسون جيسير بالنظام الأحادي (monopartisme) كان تحديا غير محسوب العواقب لمنظومة الحكم حينها. إلا أن الإكتفاء بالجانب السياسي لن يكون كافيا لفهم ما حدث لسليم مرزوق، إذ أنه بالإضافة إلى رفض نظام الحكم لأي حكم معارضة فإن السمة الخاصة بالحركة التي قادها سليم مرزوق، أنها قد حاولت زرع بذور الرفض السياسي في فئة كان من غير المعقول في نظر بورقيبة أن تنتفض ضدّه وهو السّود. فقد كان يكنّ قدرا من الاحتقار لهم جعلت بادرة سليم مرزوق تبدو في نظره لا معقولة. وهو أحد العوامل التي قد تفسّر إيداع مرزوق في مستشفى الأمراض العقلية أيضا بدلا عن محاكمته.
بالإضافة إلى بطولات “الجنرال سليم” فإن عددا من السّود في حي القهباية، خصوصا ألائك الذين حصّلوا قدرا أدنى من التعليم، كثيرا ما يستعملون كمرجع لهم نضالات السّود في أماكن أخرى من العالم ضد التمييز العنصري. ومن الشخصيّات التي كثيرا ما تداولها الذين تحدثت معهم، “مارتن لوثر كينغ” و”مالكولم إكس”. وهو ما يجعل السّود القاطنين بالقهباية ينخرطون وجدانيّا في نضالات السّود في كل أنحاء العالم، ويعطيهم ثقة أكبر في حتميّة تحقيق المساواة في تونس بالاعتماد على الانتصارات التي حققتها حركة مناهضة العنصرية في عدد من دول العالم. “…كيفاش يقولولنا إلي حنا برّانية؟ تي هي إسمها القارة السمراء، يعني حنا في أرضنا وماناش جايين من برة. وزيد الحكايات هاذي الناس الأخرى حكات عليها مالستينات كيف مارتن لوثر كينغ وأحنا مازلنا في تونس لتو نفرقو بين الأبيض والأسمر قال شنو واحد خير من لاخر… حنا طالبين إلي يخدم يلقا، الناس لكل كيف كيف”
ويبلغ الإحساس بالظلم بين المبحوثين منسوبا مرتفعا جدًّا. إذ تتناقض أمام ناظريهم كل الخطابات والوعود والانتظارات الكبرى بعد الوضعيّتين الثوريتين في ديسمبر 2010 وفيفري 2011 والتي أملوا بُعيدها بتغيّر أحوالهم كبقيّة التونسيين، لكن أيضا بشكل خاص بهم عبر التصدّي للعنصرية التي يعانونها منذ قرون في تونس، مع واقعهم المعيش منذ 2011. ولم يخفي أحد مخاطبيَّ خيبة أمله من تواصل التعامل العنصري تجاههم، “ما تبدّل شي مالثورة، كل شي حكو عليه كان العنصرية ما يشوف فيها حد…”

ضعف الموارد وصعوبة الفعل الجمعي
لم تخلو الحوارات التي أجريتها من روايات عن تصديهم –بشكل فردي عموما- لنوع ما من العنصرية الذي تعرضوا له. إلا أن الصعوبة التي تواجه هؤلاء التونسيين والتونسيات تكمن في العوائق التي تعترضهم للتحرك جماعيّا ضد العنصريّة الي يتعرضون لها.
وجد السّود التونسيّون، منذ إخماد محاولة سليم زروق في الستينات، صعوبة كبرى في التحرّك بشكل جماعي. وقد انتظروا سنتي 2011 و2012 للقيام بأولى محاولات الانتظام ضدّ الميز العنصري، في وضع اتسم بـ”السيولة التكتيكية” على حد تعبير ميشيل دوبري، أمكن فيه لعدد من القوى والفئات الاجتماعية التي لا تملك رصيدا سياسيا ورمزيا أن تتقدم للساحة العامة وتصدح بمطالبها وحقوقها. وقد كانت جمعية “آدم” ، وبدرجة أقل جمعية “منامتي” تعبيرة مكثّفة عن هذه الحاجة للانتظام الجماعي.
لن أطيل الحديث عن هذا المسار التأسيسي الذي تلى الوضعيات الثورية التي عاشتها تونس، بل سأكتفي بصداها على حي القهباية وأهاليه من السّود. وتتمثّل خصوصيّة العلاقة بين أهالي الحيّ وهذا الحراك الفريد ضد الميز العنصري أن إحدى العناصر المتقدمة بالمجموعة المؤسسة لهذا الحراك هي ابنة حي القهباية ولها داخله شبكة علاقات كبيرة مكّنتها من نسج ما يشبه الحاضنة الاجتماعية له. وقد وجدت في المقابلات صدى لهذا الحراك. إلا أن ما بقي جرّاء حلّ جمعية “آدم” هو حسرة وإحساس بصعوبة الانتظام ومزيد من التعقيد لإمكانيات حصوله في المستقبل.
يمكننا تشبيه تحرّك السّود ضدّ التمييز العنصري في تونس بما أطلق عليه ليليان ماتيو، “التحركات الغير محتملة” (les mobilisations improbables). يعيش السّود في تونس عموما أوضاعا اجتماعية واقتصادية صعبة تضعهم في أسفل السلّم الاجتماعي، وهي عناصر تفتقر نسبيّا للرصيد المعرفي والرمزي والسياسي مما يجعلها تفتقد الثقة في قدرتها على تنظيم الرفض الفردي لواقعها كما تفتقد للمعرفة والخبرة التي تمكنها من اختيار الخطوات التكتيكية الأنجع وعدم استنزاف طاقاتها المحدودة أصلا. ورغم وجود بعض العناصر من بينهم ممن توفرت لهم الظروف لمراكمة تجارب وخبرات نضالية تجعلها تتمكن من القيام بمبادرات توحيدية كتلك التي قامت بها مجموعة “آدم” في 2012 والتي لعبت دورا يشبه ذاك الذي يلعبه “مقاولو النضالات” (les entrepreneurs de causes) ، فإن الأشكال النضالية التي اختارتها هاته المجموعة بالإضافة إلى افتقاد الغالبية العظمى من أهالي الحي لتجارب نضالية سابقة ولرصيد اجتماعي ومدرسي، جعلها تبقى نخبويّة وبعيدة عنهم. يبرز الطابع النخوبي مثلا في المسافة الاجتماعية الكبرى الفاصلة بين هاته المجموعة الناشطة المتكونة أساسا من باحثين ومحامين وفنانين وبقية السّود كألائك الذين يعيشون في القهباية. وهذه المبادرات وإن كانت موضوع مساندة من أهالي الحي إلا أنهم لم يتمكنوا فعليا من الانخراط فيها، مما ساهم في إدامة العلاقة العمودية بينهم وبينها جرّاء عدم النجاح في تقليص المسافة الاجتماعية الفاصلة بين الطرفين و جعل الطابع النخبوي لهذه المبادرات أقل حدّة.

وكتواصل لانعدام الثقة في الإمكانية الخاصة للسود، يعلق عماد وعدد ممن تحدثت معهم أملا على القانون الذي يبقى حسب رأيهم الأمل الوحيد في التقليص من العنصرية، “…الحل الوحيد اللاهما قانون يتعمل يولي يعاقب وتخاف الناس، هكاكة ممكن تنقص العنصرية، أما هكا زايد…” وفي هذا تواصل لثقة الفئات التي تعاني نقصا في الموارد (مادية ورمزية) في تدخّل السلطة السياسية حتّى ترفع عنها المظلمة، وهو خطاب متناسق مع تصور القاطنين في القهباية من السّود، بأن المركز السياسي في تونس أقل عنصريّة من الإدارة الجهوية التي توجد في قابس. لكنه يعكس أيضا تأثير الدعاية التي قامت بها جمعية آدم -ومن بقي من مناضليها بشكل فردي بعد أن تم حلّها – وهي التي جعلت من النضال في سبيل إصدار قانون يجرّم العنصرية هدفهم الأول.
ومن العلامات الأخرى لهذا الشعور بالإحباط، المحاولة التي قام بها شباب الحي من السّود في 2013 للمطالبة بالتشغيل كعديد مناطق الجمهورية التي عرفت تحركات مماثلة، يقول سلامة “لمينا رواحنا خويا حومة كاملة، مشينا ولقطنا بعضنا كعبات وعملنا الورقة (يقصد عريضة) وعرّفناها بالإمضاء وجري ولهيط وهام باش يخمموا فينا وعطيناهالهم. وفي الأخر ما فما شي.” ويبيّن ما حصل افتقار هؤلاء الشباب لآليات الحراك الاحتجاجي وضعف مواردهم السياسية والرمزيّة التي تجعلهم عرضة لمناورات السلطات المحليّة وضحية للشعور السريع بالإحباط وغياب الأفق لتغيير هذا الوضع.
ختاما، يعيش السّود في “حي القهباية” وضعا صعبا ترهقهم فيه من جهة الهامشية الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها والعنصرية التي يعانونها من مؤسسات الدولة ومن جيرانهم، ومن جهة أخرى يبقيهم افتقارهم للموارد المادية والرمزية اللازمة للتغيير هذا الوضع في وضع سلبي يغلب عليه الإحباط وغياب الثقة في المستقبل وفي إمكانيات التغيير. وفي انتظار تغيّر الأوضاع سواء عبر مبادرات سياسية فوقية أو عبر تحركات جماعية قد تأتي وقد لا تأتي، فإن أهالي القهباية يعيشون مأساتهم في شكل معانات جماعية يعيشها كل منهم فرادى، “يا أقسم بالله أكثرية الناس وأولهم العبد لله عايشين في هالبلاد الكلبة في جرّة العقلية متاع الناس (يقصد العنصرية) بدواء الأعصاب، والله، دواء الأعصاب ! خاطر ماعادش… ما تلقى حتى حلّ… هاو قدامك (يقوم بمدي بعلب متنوعة من الأدوية التي يستعملها)… هاو الدواء” .

20 جوان 2017

Show More
Close