حوار مع “ميشيل فوكو” حول 68 ترجمة فتحي بن الحاج يحيى

حوار مع “ميشيل فوكو” ترجمة فتحي بن الحاج يحيى

(باريس – أواخر 1978)

صدر بـمجلّة ( ألكنتريبيتو Il Contributo – السنة الرّابعة – العدد 1 – جانفي/مارس 1980)

 

س – أثناء أحداث ماي 68 بباريس وبعدها مباشرة، شارك العديد من المثقفين الفرنسيين في النضالات الطلاّبية، وكانت تجربة طرحت في صياغات جديدة قضية الالتزام والعلاقة بالسياسة ومدى إمكانات وحدود العمل الثقافي. اسمكم لم يكن موجودا بين هؤلاء إذ كنتم، إلى حدود 1970 على الأقلّ، غائبون عن الحوار الّذي شاركت فيه وجوه أخرى من الوسط الفكري الفرنسي. كيف عشتم ماي 1968 وماذا مثّل هذا الحدث بالنسبة لكم؟

ج- في شهر ماي 1968، وكما هو الشّأن بالنسبة لفترة حرب الجزائر، لم أكن متواجدا بفرنسا. كنت على مسافة معيّنة من الأحداث أو على الهامش بمعنى ما. وكلّما عدت إلى فرنسا، إلاّ ووجدتني أحمل نظرة غريبة بعض الشيء. كلّ ما أقوله لا يُقبل دائما بسهولة. أذكر أن “ماركوز” سأل يوما، بنوع من العتاب، عمّا كان يفعله “فوكو” زمن المتاريس في ماي. فليعلم، إذن، أنّني كنت وقتها في تونس. وأضيف أنّني عشت تجربة هامّة.

لقد حالفني الحظّ في حياتي: ففي السويد شاهدت بلدا اشتراكيّا-ديموقراطيا تسير شؤونه بشكل حسن، في حين كان سير الديموقراطية الشعبية، في بولونيا، سيئا. وعرفت، على نحو، مباشر ألمانيا الفيديرالية أيام ازدهارها الاقتصادي في بداية الستينات. ثمّ عشت، أخيرا، في بلد من العالم الثالث، تونس، لمدّة سنتين ونصف. كانت تجربة مذهلة: قبل أحداث ماي بباريس بقليل، شهدت تونس انتفاضة طلابية بالغة الوقع.

كنّا في مارس 1968 حين عرفت الساحة الطلابية إضرابات، وانقطاعا عن الدروس، وحملات إيقاف، وإضراب طلابي عام. فالبوليس اقتحم الجامعة، واعتدى بالهراوات على عدد كبير من الطلبة، وتسبّب في إصابة العديد منهم بجروح خطيرة، ورمى بهم في السجن. بعضهم حوكم بثمانية وبعشرة وحتى بأربعة عشر عاما سجنا، ومازال بعضهم يقبع إلى اليوم في السجون. واعتبارا لموقعي كأستاذ، ونظرا لأنني فرنسي الجنسية، فقد كنت أتمتّع بنوع من الحماية تجاه السلط المحلية وهو ما سمح لي بالقيام بسهولة بسلسة من الأعمال، وفي نفس الوقت، التبيّن بدقّة من ردود فعل الحكومة الفرنسية تجاه هذه الأحداث. كما تكوّنت لديّ فكرة مباشرة على ما يجري في جامعات العالم.

س- هل تعنون بذلك أنّكم قمتم [بتجربة سياسية] مباشرة ؟

ج- نعم. فمنذ انخراطي بالحزب الشيوعي الفرنسي مرورا بجميع الأحداث اللاحقة على مدى السنوات التي حدّثتكم عنها، لم أحتفظ من التجربة السياسة سوى بنوع من “الشكّ” التأمّلي جدّا. وأنا لا أُخفي ذلك. فأثناء حرب الجزائر لم أستطع أيضا أن أشارك مباشرة في الأحداث وحتى وإن خُوّل لي ذلك، فما كان ليحدث على حساب أمني الشخصي. أمّا في تونس فقد وجدت نفسي أقدّم مساعدة للطلبة ولمست في ذلك شيئا مخالفا تماما لكلّ ما نشهده في أوروبا من لغو المؤسسات والخطب السياسية.

أعني، مثلا، ما كانت عليه الماركسية عندنا والطريقة التي تعاملنا بها معها عندما كنّا طلبة في السنوات 1950-1952. كما تحضرني ما كانت تمثّله الماركسية في بلد مثل بولونيا حيث أصبحت موضع قرف تامّ لدى غالبية الشباب (بقطع النظر عن انتماءاتهم الاجتماعية) وكيف كانت تدرّس كتعاليم دينية (catéchisme)، وأتذكّر أيضا برودة تلك النقاشات الأكاديمية الخالية من الحماس والتي شاركتُ فيها حول الماركسية في الستينات. في ين في تونس، يحدث العكس تماما، إذ الجميع يتبنّون الماركسية على نحو عنيف وبدرجة من الراديكالية والاندفاع المذهل.

فالماركسية، بالنسبة لهؤلاء الشبّان، لم تكن، فقط، طريقة أفضل لتحليل الواقع بل كانت، في نفس الوقت، نوعا من الطّاقة الأخلاقية أو الدّفع المعنوي وفعلا وجوديّا مثيرا. شعرت وقتها بالمرارة والخيبة تنتابني كلّما قارنت بين كيفية تبنّي الطلبة التونسيون لماركسيتهم وكيف يعيشونها وبين ما كنت أعلمه عن كيفية اشتغال الماركسية في أوروبا (فرنسا، بولونيا أو الاتّحاد السوفياتي).

هذا ما مثلته تونس بالنسبة لي: حملتني على الدّخول في الجدل السياسي. لم نكن في ماي 68 الفرنسي بل كنّا في مارس 68 في بلد من العالم الثالث.

س- أنتم تولون أهمية لظاهرة الفعل الوجودي المرتبط بالتجربة السياسية. لماذا؟ ربما يبدو لكم أنّه الضمان الوحيد للأصالة والمصداقية؟ ألا تعتقدون أنّ هناك رابط لدى الطلبة التونسيين بين اختياراتهم الإيديولوجية والعزيمة التي غذّت تحرّكاتهم؟

ج- ما هو الشيء الّذي يمكنه، في عالمنا اليوم، أن يثير لدى الفرد الرّغبة، والطّعم، والتوق، والقدرة، وإمكانية التضحية المطلقة دون أن أدنى ريبة في كونها تنبع من طموح إلى السلطة وتحصيل منفعة ما أو رغبة فيهما؟ هذا ما شاهدته في تونس، إنّها حقيقة الحاجة إلى ميثية، والبحث عن بعد روحاني، وردّة فعل أمام وضعيات لم تعد تحتمل أنتجتها الرّأسمالية والاستعمار بشكليه القديم والجديد.

ففي مثل هذه النضالات، تصبح قضية الالتزام المباشر والوجودي والجسدي، ضرورة حتمية. أمّا فيما يخصّ الماركسية كمرجعية نظرية لهذه النضالات، فأعتقد أنّها ليست بالأمر الأساسي. أوضّح: لم يكن التكوين الماركسي للطلبة التونسيين عميقا ولا متّجها لأن يكون كذلك. فالنقاشات الحقيقي بينهم حول الخيارات التكتيكية والاستراتيجية وما يجب اختياره كانت تمرّ عبر تفسيرات مختلفة عن الماركسية. كان الأمر يتعلّق بشيء آخر مغاير تماما. فلئن يبقى دور الإيديولوجية السياسية والإدراك السياسي للعالم أمرا ضروريا لإطلاق النضال، فإنّ مسألة دقّة النظرية وطابعها العلمي يظلاّن مسائل ثانوية للغاية تقتصر وظيفتهما على اعتمادهما كـ”تمويه” (leurre) أكثر منها مبدأ توجيهيا سليما وصحيحا.

س: ألم تجدوا في فرنسا أيضا نفس مؤشرات هذه المشاركة الحيّة والمباشرة التي عشتموها كتجربة شخصية في تونس؟ ماهي العلاقة التي أقمتموها بين هاتين التجربتين؟ كيف قرّرتم، بعد ماي، الاتّصال بالنضالات الطّلابية وتطوير الحوار والمقارنة التي أدّت بكم إلى اتّخاذ مواقف، في مناسبات عديدة، والانخراط، إلى جانب عدد من المفكّرين مثل سارتر، وجون ماري دوميناخ، وموريس كلافال، في حركات من نوع “مجموعة الإعلام عن المساجين” وأوضاع السّجون؟

ج- عندما عدت إلى فرنسا في نوفمبر-ديسمبر 1968، فوجئت بعض الشيء، وانتابتني الحيرة وحتّى خيبة الأمل مقارنة بما شاهدته في تونس. فالنّضالات، مهما بلغت من عنف ومن جموح، لم يترتّب عنها البتّة دفع نفس ذلك الثّمن الباهظ وتلك التّضحيات. لا مقارنة بين متاريس الحيّ اللاّتيني والمخاطرة الحقيقية المتمثّلة في خمس عشرة سنة سجنا كما هو الشّأن في تونس. لقد وقع الحديث في فرنسا عن تضخّم الماركسية، وعن السيل الجارف للنّظريات، وتبادل التّهم والسّباب، وظاهرة التشرذم التنظيمي. في حين أنّ الوضع في تونس على النّقيض من ذلك تماما، وهو ما استهواني في هذا البلد. ولعلّ ذلك يفسّر الطريقة التي حاولت التطرّق بها إلى الأشياء مذ وقتها، وكذلك التّفاوت أو عدم التناغم مع تلك النّقاشات المبهمة وذلك “التمركس” المتضخّم والإسهال الخطابي الذي ساد في الجامعات وخاصّة جامعة “فانسان” سنة 1969. حاولت القيام بأشياء تندرج ضمن الالتزام الشخصي الجسدي والحقيقي الّذي يطرح القضايا في صياغات ملموسة ومضبوطة ومحدّدة في سياق وضعية معيّنة.

دون هذا المنطلق، لا يمكن تقديم تحاليل ذات جدوى. لقد حاولت، بالعمل في قضية المساجين ضمن “مجموعة الإعلام عن المساجين”، القيام بتجربة في العمق. كان الأمر، بالنسبة لي، فرصة لإعادة النّظر فيما كان يشغلني من خلال أعمالي مثل “تاريخ الجنون” (Histoire de la folie) أو “ولادة العيادة “Naissance de la Clinique وفي نفس الوقت التفكير في التجربة التي عشتها في تونس.

س- عندما تثيرون ماي 68، فأنتم تتحدثون عنه بنبرة توحي بالتقليل من قيمة هذا الحدث. أراكم تقفون فقط عند جانب المهزلة التي طغت عليها الأيديولوجيا. فرغم وجاهة التأكيد على حدود هذه الحركة وخاصة فيما يتعلّق بتكوّن التنظيمات الصغيرة المشتّتة، أعتقد أنه لا يجوز التقليل من أهمية ظاهرة هذه الحركة الجماهيرية التي عمّت كامل أوروبا تقريبا.

ج- ماي 68 يكتسي، دون أدنى شكّ، أهمية استثنائية. فالأكيد أنني، دون ماي 68، لم أكن لأنجز الأعمال التي أنجزتها عن السّجن، والجنوح، والجنسانية. لم يكن ذلك ممكنا في مناخ ما قبل 68. لم أقصد القول بأنّ ماي 68 لم يشكّل بالنسبة لي أية أهميّة بل كلّ ما ذكرته هو أنّ بعض المظاهر الأكثر بيانا للعيان والأكثر سطحية كتلك التي تجلّت في أواخر 68 وبداية 69 كانت غريبة عنّي ولا تعنيني بالمرّة. أمّا الأشياء التي شكّلت المدار الحقيقي للحدث والتي غيّرت فعلا الأشياء فقد كانت من نفس الطبيعة سواء كان ذلك في فرنسا أو في تونس.

فما حدث هو أن فرنسا شهدت نوعا من ارتداد ماي 68 على نفسه أو من الرجوع العكسي على الذّات من حيث المعنى حيث آل الأمر إلى طغيان ظاهرة تشكّل التنظميات الصّغرى وتشتت الماركسية إلى أجسام صغيرة من النظريات تتقاذف الشتائم والسّباب. ولكن من حيث العمق، تغيّرت الأشياء على نحو أصبحت أشعر فيه بأريحية أكثر مما كنت عليه في السنوات السابقة عندما كنت بفرنسا في 1962 أو في 1966. فالأشياء التي كانت محور اهتماماتي بدأت تدخل حيز الاهتمام العام. تلك القضايا التي كانت لا تجد لها، في السابق، صدى، عدا في الطبّ النفسي المضادّ الإنجليزي (anti-psychiatrie)، وأصبحت الآن موضوع السّاعة. ولغاية المضيّ شوطا أبعد في تعميق الخطاب، وجدت نفسي مضطرّا لاختراق تلك القشرة المتكلّسة والمفتّتة في نفس الوقت للتنظيمات الصغرى والمجادلات النّظرية التي لا تنتهي. وقد بدا لي أنّه أصبح ممكنا إرساء نوعية جديدة من العلاقات والعمل المشترك، مختلفة عن السّابق، بين المثقفين وغير المثقفين.

س- ولكن على أيّ أساس، ومن خلال أيّ خطابات، وانطلاقا من أيّة مضامين تمّ إيجاد مثل هذه العلاقة والحال أن لغات الخطابات لا تتواصل فيما بينها؟

ج- صحيح أنّني لم أكن أستعمل قاموس الألفاظ والمفردات الأكثر تداولا وقتها. فقد اتّبعت مسالك أخرى. رغم ذلك، كان يوجد بمعنى ما، نقاط التقاء مشتركة. كنّا نتوصّل إلى التّفاهم حول الشّواغل الملموسة والقضايا الحقيقية. وها إنّنا اليوم نجد عددا كبيرا من الأشخاص الذين يعبّرون عن تحمّسهم كلّما تحدّثنا عن ملاجئ المعتوهين، والجنون، والسّجون، والمدينة، والطّبّ، والحياة والموت، وجميع هذه الظّواهر الملموسة للوجود والتي تثير الكثير من التّساؤلات النّظرية.

س- الدّرس الافتتاحي الّذي ألقيتموه في الكوليج دي فرانس” (Collège de France) والّذي نشر بعنوان “نظام الخطاب L’Ordre du discours” يعود إلى 1970. في هذا العرض الجامعي الذي تناولتم فيه بالتحليل آليّات الإقصاء التي تتحكّم في الخطاب، بدأتم تؤسسون، بوضوح، لفكرة العلاقة بين المعرفة والسّلطة. فقضية هيمنة السّلطة على الحقيقة أي مسألة إرادة الحقيقة، تمثّل مرحلة جديدة هامّة في فكركم. كيف توصّلتم إلى بسط هذه المسألة على النّحو الّذي طرحتموه بها أو بالأحرى كيف توصلتم إلى حصر هذه الإشكالية؟ وبأيّ كيفيّة ترون أن إشكالية السّلطة كما طوّرتموها جاءت لتلتقي بالمدّ الحركي للشباب في 1968؟

ج- فيما تمثّل الأمر بالنسبة لي طيلة حياتي إلى اليوم؟ ماذا يعني ذلك القلق العميق الّذي شعرت به تجاه المجتمع السويدي؟ والقلق الّذي انتابني في بولونيا؟ رغم أنّ الكثير من البولونيين يعترفون أن ظروف العيش المادية كانت وقتها أفضل ممّا كانت عليه في فترات سابقة. كما أتساءل أيضا عمّا يعنيه ذلك المدّ المتجذّر لانتفاضة الطّلبة في تونس.

ما الذي كان موضع التساؤل في جميع هذه الظواهر؟ إنّه حتما الطريقة التي تُمارس بها السّلطة، ليس فقط سلطة الدّولة وإنّما أيضا السلطة التي تمارسها مؤسّسات أخرى أو متأتية من أشكال ضغط متنوّعة، وهي نوع من الاضطهاد المتواصل في مجال الحياة اليومية تتجاوز سلطة الدّولة وحدها. هذا الشّيء الّذي كنّا لا نتحمّله ونرفضه باستمرار هو الّذي ولّد فينا هذا النوع من القلق، وهو الأمر الذي لم نتحدّث عنه منذ اثنتي عشر سنة. إنّه السّلطة. ولا نعني بذلك سلطة الدّولة فقط وإنّما أيضا تلك السلطة التي تمارس داخل الجسم الاجتماعي، من خلال قنوات وأشكال ومؤسّسات شديدة الاختلاف. لم نعد نقبل أن نُحكم بالمفهوم الواسع للحكم. لا أعني بذلك حكم الدّولة كما يعرّفه القانون العام بل أقصد أولئك الذين يوجهون حياتنا اليومية بواسطة الأوامر، والتّأثيرات المباشرة وغير المباشرة مثل وسائط الإعلام. عندما كنت بصدد كتابة “تاريخ الجنون” وأثناء اشتغالي بمؤلّف “ولادة العيادة (أو التطبيب)” كنت أفكّر في التاريخ السلالي للمعرفة (généalogie du savoir). لكنّ الخيط الرّابط يكمن، في الحقيقة، في مسألة السلطة.

في حقيقة الأمر، أنا لم أفعل سوى تقصّي الطريقة التي تعمد بها عدد من المؤسّسات إلى الاشتغال باسم العقل والمعيارية، لتمارس سلطتها على مجموعات من الأفراد في علاقة بعدد من التصرّفات والتصنيفات التي تمسّ الذّات البشرية من حيث طريقة وجودها وأفعالها وأقوالها والتي صُنِّفت على أنّها غير عادية أو هي من قبيل الجنون أو المرض ألخ… فالواقع أنّني لم أفعل سوى كتابة تاريخ السلطة. فهل هناك اليوم من لا يتّفق على أنّ ماي 68 لم يكن سوى انتفاضة ضدّ سلسلة من أشكال السّلطة كانت تمارس بضغط شديد على بعض الفئات العمرية في عدد من الأوساط الاجتماعية؟ فمن خلال مجموع هذه التجارب، بما في ذلك تجربتي الشّخصية، تبرز كلمة واحدة من نوع الكلمات المكتوبة بالحبر السرّي والمهيّأة للتجلّي على الورق كلما سكبنا عليها المادّة الكاشفة الملائمة، هذه الكلمة هي السّلطة.

Show More
Close